Sunday, December 27, 2009

تزوير صورة الآخر يتنافى مع المثل الأخلاقية الإعلامية

تزوير صورة الآخر يتنافى مع المثل الأخلاقية الإعلامية

ابراهيم الداقوقي - أستاذ الأنظمة الإعلامية

دأبت الدراسات والبحوث التي تناولت الصورة القديمة لمجموعة من الناس أو لكيان اجتماعي محدد لدى مجموعة أخرى ، على استخدام عدد كبير من مناهج البحث العلمي في مجالات السياسة والإعلام وعلوم النفس والاجتماع والتاريخ واللغة والإحصاء ، بدقة ومهارة وصولا إلى نتائج غير متحيزة أو مضللة لتكوين صورة ذهنية صحيحة حول تلك المجموعات من جهة ، ولتحقيق حياد الباحث العلمي أو جهاز الإعلام وحجة أدواته ودقته في تحديد تلك الصورة من جهة أخرى . ومن هنا فان الباحث أو الجهاز الذي يستخدم فقط أحد تلك المناهج البحثية المتعددة لدراسة تلك الظاهرة ، فانه يحصر نفسه في زاوية حادة ولا يتوصل إلى رصد العلاقات المتداخلة والمتشابكة و المتبادلة لحقائق تلك العلوم من جهة والمتغيرات الأساسية التي تتحكم في الظاهرة موضوع الدراسة من جهة أخرى وبذلك فان الباحث المذكور أو الجهاز الإعلامي يضطر ـ في هذه الحالة ـ إلى استخدام الأحكام المسبقة لرسم إطار صورة شعب لدى شعب آخر ، من خلال وضع فرضياته هو للوصول إلى النتائج التي يتمناها لذلك البحث ، على حساب الثقة العلمية والدراسة الموضوعية بدل انتقاء تلك الفرضيات من مجموعة مناهج البحث العلمي والعلاقات المتداخلة والمتبادلة والمتكاملة فيما بينها ، في ضوء معايير علم تحليل المضمون وتقنياته لاستخلاص تلك الصورة . ومن هنا فان استخدام الإعلام وتقنياته المتطورة في رسم صورة شعب لدى شعب آخر يصاحبه عادة شئ من التحوير أو التزييف أو التزوير ، لاسيما إذا كانت علاقات بلدي الشعبين ليست على ما يرام ، أو كان الإعلان مدفوع الثمن يقف وراء رسم تلك الصورة ، ويتجلى ذلك عادة - أو بصورة أوضح - في المعاجم أو المعْلمات ( دوائر المعارف ) أو القواميس الثنائية اللغة - المغرضة والمجانبة للحقيقة - باستخدام الصور النمطية المقولبة Stereotypes السلبية ضد الآخر المرفوض أو المقصي أو غير المرغوب فيه . وتعد عملية وبستر الحالية خير مثل على هذا التزوير المعلوماتي - الإعلامي ، كما أننا نستطيع إيراد العديد من الأمثلة - على صعيد الإعلام الدولي - حول تزوير صورة الآخر ، منها :

- حين خرجت في لندن مظاهرة حاشدة معادية للحرب يوم 6 كانون الأول (ديسمبر) عام 2001 وشارك فيها حوالي 50 ألف شخص "وهي ترفع لافتات يقول بعضها (الشعب الأفغاني يحتاج إلى الخبز وليس قنابل) و (هذه ليست حربنا) جرى التهوين من شأنها في الصحف رغم الأعداد الكبيرة من الإنجليز الذين شاركوا فيها. إلا أن كاميرات التلفزيون ركزت على البريطانيين ذوي الأصول العرقية المختلفة ، كالآسيويين والأفارقة حتى تبدو وكأنها تعبير عن آراء الأقلية بين الشعب البريطاني"

- غير أن تزوير صورة الآخر وتزييفها ، لا يقتصران على الصورة التلفزيونية فقط ، وإنما تمارس هذه اللعبة الإعلامية غير الأخلاقية والبعيدة عن أخلاقيات مهنة الإعلام ، عند إيراد الأنباء أو استقائها في الصحف والإذاعات ، إضافة إلى الأفلام السينمائية التي بدأتها هوليوود بفيلم الخروج Exodus في بداية الستينات إلى أفلام المسخ Monster الكارتونية التي يراد بها تزييف واقع الحيوانات بخلق الحيوانات الناطقة ذات الأشكال الغريبة والتكوينات غير المألوفة : الحيوان الناطق الوحيدة العين أو الساق أو القرود الضخمة التي تماثل الفيلة ذات الأفواه الكبيرة الفاغرة والتي تأتمر بأوامر طفلة صغيرة ، إلى أفلام هوليوود الخاصة بسيناريوهات المستقبل ، من اجل التدخل ـ الذي اصبح استراتيجية سياسية محددة لواشنطن ـ في شؤون الدول الأجنبية : فيلم (حركة ذيل الكلب ) المنتج عام 1983 والذي تضمن سيناريو ضرب العراق الذي تحقق عام 1990 وفيلم (الحصار The Siege ) المنتج عام 1992 المتضمن سيناريو الهجوم على مركز التجارة الدولي الذي تحقق عام 1995 وفيلم بيرل هاربر Bearl Harbur المتضمن سيناريوهات حرب النجوم الذي تنتظر التنفيذ في مناطق العالم المختلفة .

ولما كان معظم صور التزوير والتلفيق والتزييف تستخدم بشكل سلبي وكدعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية وتحريضاً على التزوير ، فإنها تعد مخالفة صريحة للمادة (20) من (الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية) التي وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 ديسمبر (كانون الأول) 1966 . تلك المادة التي تنص على : "

تمنع بحكم القانون كل دعاية من اجل الحرب .

تمنع بحكم القانون كل دعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي من شأنها ان تشكل تحريضاً على التمييز أو المعاداة أو العنف" .

واستناداً إلى هذه المادة أقامت ثلاث جمعيات ويلزية قضية في الولايات المتحدة الأمريكية ضد عدد من المجلات ومحطات التلفزيون " لمنع قيام تلك المنظمات الإعلامية الأمريكية من استعمال كلمة (ويلزي Welsh ) التي يوصف بها الذين ينتمون إلى مقاطعة (ويلز) في بريطانيا ، على نحو سلبي يوحي بأنها شتيمة . حيث أن هذه الصفة مازالت تستخدم في الولايات المتحدة لوصف المخادعين والذين يراوغون في مسألة تسديد الديون المستحقة عليهم . ولهذا فان هذه الكلمة تسيء إلى جميع أولئك الذين تعود أصولهم إلى ويلز" (3) .كما أقامت المنظمات اليهودية دعاوى قضائية مماثلة في معظم بلدان أوروبا وأمريكا ـ بعد صدور الاتفاقية الدولية المذكورة ـ لتطهير القواميس الصادرة باللغة الإنجليزية من الاستعمالات السلبية لكلمة يهودي . إذ لم يقتصر نجاح تلك المنظمات على منع الأجهزة الإعلامية من استعمال تلك الكلمة على نحو مسيء لليهود وإنما تعدى ذلك إلى تنقية القواميس المطبوعة حديثا من المعاني السلبية التي أصبحت جزاءاً لا يتجزأ من مجموعة المترادفات التي حملتها" والتي اتخذتها الجمعيات الويلزية سابقة في مجال تطهير الثقافة الأمريكية من التمييز العنصري ضدهم . في حين لا تزال ثمة كلمات تحفل بها الثقافة الغربية المسيئة للعرب والمسلمين في معاجم تلك الثقافات ، مثل كلمة Street Arab الإنجليزية التي تعني (الأفّاق) وهي على وزن كلمة Streetwalker أي (المومس) التي تعد شتيمة منكرة عند استعمالها كصفة . إضافة إلى وجود عشرات الأفلام الغربية بعامة والهوليوودية بخاصة التي تسيء إلى العرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية دون أن تتحرك المنظمات العربية ـ وعلى رأسها جهاز الإعلام للجامعة العربية ـ للدفاع عن الثقافة العربية في تلك البلدان ، لتنقية المعاجم الإنجليزية من تلك الكلمات التي تؤلف تمييزاً عنصرياً ضدهم .

ومن هنا ، واستنادا إلى المادة العشرين من ( الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية ) التي وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 ديسمبر (كانون الأول) 1966 يحق لكل عربي أو عربية من مواطني الدول الأوروبية إقامة الدعوى أمام المحكمة الأوروبية " لشطب " تلك العبارات المسيئة أولا ثم إقامة دعوى تعويض مادي بسبب تشويه صورة العرب ، ثانيا । فما هو رأي رواد ( جمع ) من مواطني أوروبا الميامين ؟


http://www.najah.edu/index.php?news_id=5438&page=3171&l=ar

مدخل لدراسة المثل الشعبي الدارج

مدخل لدراسة المثل الشعبي الدارج

لتحميل النص اضغط هنا


المثل جملة استوعبت حكمة الشعب ونظرته لطبيعة العلاقات الإنسانية بل هو فن من الفنون الأدبية الشعبية والغالب عليها النثر، ولكنه أوسعها انتشارا، بل أكثرها دورانا على الالسنة، ووثوبا إلى الذاكرة، لأنه غرس الحكمة وابن الخبرة ومرآة لكل قوم، يصف أخلاقهم وعاداتهم ونشاهد عدل على لغتهم، ولأنه ينبع من طبقات الشعب كلها. فمن هنا جاءت أهميته في الدراسات الاجتماعية واللغوية و الأدبية والتاريخية. فما هو مدلوله اللغوي و الاصطلاحي؟ وكيف نظر إليه الأدباء العرب والأجانب؟ وما هي سماته الخاصة والعامة؟ وما هو المثل الدارج؟ وهل من خلاف بينه وبين المثل الفصيح؟ وللإجابة على هذه التساؤلات نستعرض تعريفه اللغوي و الاصطلاحي كما ورد في عدد من المعاجم والموسوعات ولدى بعض الأفراد من أدباء وباحثين عرب وإفرنج لتكوين تصور عام لنظرتهم جميعا إليه، ثم نعرف بالمثل الشعبي الدارج لغة واصطلاحا ليتضح الائتلاف والاختلاف مع المثل الفصيح، ونخلص إلى سماتها العامة والخاصة الايجابية والسلبية.

فالمثل في لسان العرب: "مثل بكسر وسكون ومثل بفتحتين وشبه بمعنى واحد". وقد أورد له عدة معان لغوية منها: العبرة والآية والصفة وغيرها(1). كما أكد القاموس المحيط ما أورده لسان العرب من معان وزاد أيضا: الحجة والحديث(2). أما دائرة معارف القرن العشرين فتقول: (مثل) الرجل بين يديه مثولا: قام منتصبا... وماثله: شابهه. وتماثل الشيئان: تشابها(3). وقد أكد كل من الميداني وأبي هلال العسكري والمبرد في(مجمع الأمثال) معنى التشابه والتشبيه والتماثل والمثول(4).

ومن جاس خلال المعنى اللغوي للمثل يتبين له انه يعني المثول الذي يعني الانتصاب والقيام فكما يمثل المرء أمامك بجسده قائما منتصبا، كذلك يمثل المعنى للمثل في ذهنك ويقوم في تفكيرك. وقد كثرت تعريفات المثل وتعددت بتعدد من تناوله بالبحث والدراسة عند العرب والإفرنج قديما وحديثا، وسوف نختار بعض تلك التعريفات التي يطرح وجهات نظر ورؤى أصحابها للمثل من زوايا مختلفة لنخلص إلى تعريف يجمع شتات ما قيل ويكشف عن ماهية الدارج شكلا ومضمونا.

لقد عرفه الكثيرون من العرب ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: إبراهيم النظام المتوفى سنة 221 هجري. وابن عبد ربه المتوفى سنة 328هجري. والمرزوقي المتوفى سنة 421هجري. واليك تعريفاتهم: قال النظام: "يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام هي: إيجاز اللفظ وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكتابة، فهو نهاية البلاغة".(5)

أما ابن عبد ربه فقال: "والأمثال هي وشي الكلام وجوهر اللفظ وحلي المعاني، والتي تخيرتها العرب وقدمتها العجم، ونطق بها في كل زمان على كل لسان فهي أبقى من الشعر واشرف من الخطابة لم يسر شيء كسيرها ولا عم عمومها حتى قالوا: (أسير من مثل) (6).

وعرفه المزروقي بقوله: "المثل جملة من القول مقتضبة من أصلها، مرسلة بذاتها، فتتسم بالقبول وتشتهر بالتداول، فتنتقل عما وردت فيه إلى ما يصح قصده بها من غير تغيير يلحقها في لفظها، وعما يوجبه الظاهر إلى أشباهه من المعاني، فلذلك تضرب وان جهلت أسبابها التي خرجت عليها، واستجيز منها الحذف في ضرورات الشعر ما لايستجاز في سائر الكلام(7).

تلك نظرة ثلاثة من أعلام الأدب القدماء في تعريفهم للمثل الفصيح، فما هي نظرة العرب المحدثين إليه؟

كثر اهتمام العرب المحدثين بالفنون القولية ومنها المثل وتعريفه، فهو في نظر احمد رشدي صالح: "هذا الأسلوب البلاغي القصير الذائع بالرواية الشفهية المبين لقاعدة الذوق أو السلوك أو الرأي الشعبي، ولا ضرورة لأن تكون عبارات تامة التركيب بحيث يمكن أن نطوي في رحابه التشبيهات والاستعارات والكنايات التقليدية" (8).

أما عبد اللطيف الدليشي فيعرفه بقوله: "المثل أدب قائم بذاته سواء ما كان منه شعبيا أو فصيحا يمتاز بقصر العبارة ووضوح المعنى وسهولة فهمه وحفظه وحب التمثيل به، كما انه تعبير حر صادق عن طبيعة العصر في نظمه السياسية وعاداته الاجتماعية ومعتقداته الروحية ومثله وأهدافه" (9).

أما الشيخ محمد رضا الشبيبي ، فيعرفه في تقديمه لكتاب جلال الحنفي (الأمثال البغدادية) بقوله: "الأمثال في كل قوم خلاصة تجاربهم ومحصول خبرتهم، وهي أقوال تدل على إصابة الموجز وتطبيق المفصل، هذا من ناحية المعنى، أما من ناحية المبنى فان المثل الشرود تميز عن غيره من الكلام بالإيجاز ولطف الكناية وجمال البلاغة. وهي ضرب من التعبير عما تزخر به النفس من علم وخبرة وحقائق واقعية بعيدة البعد كله عن الوهم والخيال" (10).

ويعرفه خالد سعود الزين بقوله: "هو القول السائر المصطلح عليه بين عامة الناس وخاصتهم لتعريف الشيء بما سبقه من حوادث مشابهة، أو مما قاله ذو التجربة والعقلاء من الفلاسفة و المفكرين"(11) ويعرفه كمال نشأت بقوله: "حكمة شعبية شفهية مجهولة القائل، لها طابع تعليمي من حيث الموضوع ولون من التركيز من ناحية الصياغة، وان هاتين الخصيصتين ساعدتا المثل الشعبي على الذيوع والانتشار"(121).

ويلاحظ الخلط بين المثل الفصيح والشعبي الدارج لدى بعض المحدثين وليس هذا عبثا بل لان هناك بعض السمات التي تتفق فيها الأمثال الفصيحة والعامية.

تلك كانت تعريفات بعض العرب القدامى منهم والمحدثين للجملة المثلية، أما الإفرنج فعلى غرار العرب شغلهم المثل، فقد وردت له عندهم تعريفات في الموسوعات والمعاجم، أو على ألسنة أفراد قننوا الجملة المثلية وحددوا مفهومها بوضوح.

فدائرة المعارف البريطانية حددت المثل يقولها: "المثل جملة قصيرة، مصيبة المعنى شائعة الاستعمال" (13).

وأما الدائرة الأمريكية فتقول عنه: "هو جملة قصيرة، مصيبة المعنى، تستحضر بلاغة الحقيقة الشائعة وتولد أساسا في المجتمعات الأولى بأسلوب عامي غير أدبي وتكون شكلا(فولكلوريا) شائعا في كل الأجيال" (14).

بينما تذهب دائرة المعارف الفرنسية في تعريفها له بالقول: "الأمثال أصداء للتجربة، والمثل هو اختصار معبر في كلمات قليلة أصبح شعبيا"(15).

وتعرفه دائرة معارف معجم العالم بقولها: "المثل الشعبي هو القول القصير الشائع الذي يجمع حقائق مألوفة أو أفكار مفيدة في لغة معبرة" (16).

وهذه التعاريف تجمع على الطبيعة الشعبية للمثل من حيث دلالاتها المعنوية وصياغتها العفوية البعيدة عن التعقيد، التي تجعل المثل مستساغا في الفهم قابلا للرواية المتداولة على الالسنة ولا يختلف عن ذلك فهم المفكرين قديما وحديثا للمثل، فأرسطو يقول إن المثل: "هو العبارة التي تتصرف بالشيوع والإيجاز وحدة المعنى وصحته"(17) بينما يعرفه(سوكولوف) بقوله: "انه جملة قصيرة صورها شائعة، تجري سهلة في لغة كل يوم، أسلوبها مجازي وتسود مقاطعها الموسيقى اللفظية"(18). ويعرفه(وينر) بقوله: "المثل عبارة عن جملة تغرس في عقول الناس حقائق سامية" (19). أما الشاعر التركي إبراهيم شناسي فيعرفه في مقدمة كتابه (ضروب أمثال عثمانية) بقوله: "هي حكمة العوام تجري على ألسنتهم وتصور ماهية الشعب وهي عامرة بالمعنى الغزير" (20) أما ترزي باشا المحامي فيقول في تعريفها: "التمثال ضرب من الكلام يدل السامع إلى الطريق المستقيم، ويلقنه المفاهيم بصورة مبسطة موجزة، وتكون هذه الأقوال موزونة مموسقة مؤطرة بالإيجاز مع الاحتفاظ بالبلاغة و الاحاطة الكلية، وفيها الحكم الحاسم للموضوع. وهي ذات كناية مستحبة ووقع جاذب في السامع، وهي تنشد الفائدة والخير للعموم" (21) ويعرفه (زايلر) بقوله: "القول الجاري على ألسنة الشعب الذي يتميز بطابع تعليمي وشكل أدبي مكتمل يسمو على أشكال التعبير المألوفة" (22). أما كراب فيعرفه قائلا: "المثل يعبر في شكله الأساسي عن حقيقة مألوفة، صيغة إلى أسلوب مختصر حتى يتداوله جمهور واسع من الناس، وقد يعبر عن الحقيقة بطريقة حرفية فيكتفي بترديد هذه الحقيقة كما هي الحال بالنسبة لأمثال المواعظ، وقد يعبر عن هذه الحقيقة، وقد يلجأ إلى استخدام الاستعارة(23)".

وهكذا يبدو أن الأدباء والباحثين من عرب وأجانب قد نظروا إلى المثل من خلال ثقافتهم ومعارفهم وعصورهم المختلفة، رغم محاولتهم جميعا تأكيد تعريف معين إلا إن استعراض مجموعة التعريفات السالفة الذكر، تبين انه يوجد نوع من التكامل اللغوي الأدبي بينهم، فقد وضع الأدباء والباحثون أيديهم على ركنين أساسيين من أركان المثل هما: الإيجاز أو التركيز والشيوع أو الانتشار، فقد سلموا بان المثل جملة موجزة شائعة بين الناس وحاول كل منهم أن يضيف إليها ما يزيدها وضوحا، ويميزها عن غيرها من سائر الفنون القولية بإيراد بعض سماتها من زوايا ورؤى خاصة ويمكن إجمال سماتها الخاصة الأخرى فيما يلي:

1) أنها خلاصة التجارب ومحصول الخبرة الواقعية.

2) أنها تحتوي على معنى يصيب التجربة والفكرة في الصميم.

3) أنها ذات صيغة تهذيبية تعليمية.

4) أنها ذات أبعاد زمانية وقائلية مجهولة في الغالب.

5) أنها ذات شكل أدبي مكتمل.

6) أنها ذات سمو على الكلام المألوف رغم أنها ذات طابع شعبي، لأنها تعيش في أفواه الشعب.

ولا بد من ملاحظة اهتمام الإفرنج بالجانب الموضوعي أكثر من اهتمامهم بالجانبين الأدبي واللغوي على خلاف القدامى من العرب، وقد بدأ المحدثون من أدباء العرب ينهجون النهج الإفرنجي في نظرتهم إلى الجملة المثلية الدارجة على أساس من الموضوع، كما وجدوا أنها تصلح أساسا لدراسة الحركات الفكرية والاجتماعية والخلقية للمجتمع، حيث تعرض فيها التجارب التي مر بها أفراد الشعب مجسدة في شكلها ومضمونها على حد سواء. كما يمكن ملاحظة الخلط في التعريف بين المثل الفصيح والدارج. فما هو المثل الدارج لغة واصطلاحا؟ وما الفرق بينه وبين المثل الفصيح؟

وللإجابة على هذين التساؤلين نقول: المثل الدارج لغة من الفعل(درج) بمعنى دب واخذ في الحركة: درج الشيخ والصبي يدرج درجا ودرجانا ودريجا فهو دارج: مشى مشيا ضعيفا ودبا. قال الشاعر:

يا ليتني زرت غير خارج أم صبي قد حبا ودارج (24)

وجاء في المنجد (الدارج) اسم فاعل. تراب دارج: تثيره الريح وتدرج به ويقال (صبي دارج) إذا دب ونما (25).

أما المثل الدارج اصطلاحا فهو: "تجربة إنسانية وليدة الاختبار أو الوجدان أو التمرد والحرمان، يعكس واقع البيئة، وهو ثمرة من ثمراتها شائع الاستعمال، مجهول القائل في الغالب صيغ بلفظ شفوي عامي بلاغي وجيز ومعنى شامل، ذي طابع تهذيبي أو تهكمي، قيل في مناسبة ما اخذ ينسحب على تجارب إنسانية مماثلة دون أن يفقد وظيفته الأولى " (26).

يتبين مما سبق أن المثل الشعبي الدارج هو الحصيلة الشفوية لخبرة الشعب اليومية وتجربته السلوكية في الحياة، كما يبدو أن التعريفات مهما اختلفت زمانا ومكانا فإنها تتفق إلى حد ما ولو في بعض عناصرها، لأن الأصل واحد والتربة تكاد تتشابه فمصدرها الشعب وتربيتها كذلك. والحقيقة التي لا هراء فيها أن الأمثال الشعبية الدارجة تختلف مع الفصيحة في الناحية الشكلية، فقد صيغت اللهجة الأولى بالعامية(الدارجة) بينما صيغت الأخرى بالفصيحة(اللغة السليمة).

أما السمات الأخرى فليس بينها كبير خلاف. وتتجلى سماتها العامة في كونها تمثل: نوعا من الفلسفة الشعبية الأصيلة غير المدروسة أو المخطط لها، ومع ذلك فهي تملك منهجا يفوق الصفات الدراسية ذات المناهج لأصالتها وعراقتها المستمدة من الناس أنفسهم، فهي بضاعة محلية خالية من الغريب المستورد ونتاج بكر توارثه الخلف عن السلف دون أن تشوب نسيجه الساذج شوائب التأثر بثقافات أخرى عابرة أو وافدة أو مستقرة، ودون أن يغير من طبعها حسن الحضارة وزخرفتها المصطنع. ولذا فإنها بواقعيتها المستمدة من واقع الحياة ونتيجة مباشرة للخبرة والتجربة الفردية، وهي تصدق في كثير من الحالات على واقعية الحياة الأنانية الشعبية بأبعادها المختلفة, فهي تعبر عن أصالة المناخ والبيئي والطابع المحلي للخلفية الاجتماعية، إضافة إلى كونها اجتماعية كالوصفات الطبية لتوظيفها في الحياة الشعبية. هذا إلى جانب سماتها الأخرى كالجمالية والترفيهية والذاتية والجماعية وتداخلها مع فروع الفنون والمعرفة الشعبية الأخرى.

تلك بعض سماتها الايجابية وهي في الوقت نفسه لا تخلو من الهنات كما لا يخلو الغيث من العيش فهناك أمثال شعبية لها معان تتعارض طبيعة الإنسان وتكريمه كقول البدو:(إن كبر شيخكم رعوة الغنم) وأخرى تتعارض مع القيم كقولهم: (شكلك غلط)।

http://www.najah.edu/index.php?news_id=5480&page=3171&l=ar

الجمعيات النسائية الفلسطينية التطوعية ودورها في الفولكلور الفلسطيني مع التركيز على دور جمعية إنعاش الأسرة في مدينة البيرة


الجمعيات النسائية الفلسطينية التطوعية ودورها في الفولكلور الفلسطيني

مع التركيز على دور جمعية إنعاش الأسرة في مدينة البيرة

د.عبد اللطيف البرغوثي

1. تمهيد:

الواقع الاجتماعي للشعب الفلسطيني:

من المفيد في بداية هذه الدراسة أن نلقي نظرة سريعة على الواقع الراهن للحياة الاجتماعية العربية من زوايا ثلاث ترينا الأولى منهما أن المجتمع العربي يتكون من أكثرية من المدنيين والقرويين وأقلية من البدو، وترينا الثانية أن نشوء الجمعيات وغيرها من المؤسسات الثقافية والاجتماعية يرتبط ارتباط عضويا بظهور المجتمع المدني من ناحية والفئة المثقفة من ناحية ثانية. ولما كانت المدن الفلسطينية بعامة، والقدس ويافا وعكا وحيفا ونابلس بخاصة، هي الأوفر حظا فيما يتعلق بتوافر العاملين المذكورين، فإنا سنلاحظ أن الجمعيات المشار عليها بدأت في هذه المدن قبل غيرها، وإنها، أي الجمعيات، ظلت ظاهرة مدنية حتى حدوث النكبة عام 1948. فعلى المستوى القروي كانت هناك جمعيات قليلة عرف منها اثنتان فقط هما:جمعية تعاون اقتصرت على القرى المجاورة لعكا وحيفا، وجمعية إتحاد القرى العربية في اللد التي تأسست عام 1972 واقتصرت على قرى الساحل الجنوبي. وعلى المستوى البدوي نعرف عن جمعية واحدة هي جمعية البدو العربية التي تأسست في بئر السبع في أواسط الثلاثينات لغايات اجتماعية (الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثالث، ص 187).

أما الزاوية الثالثة فترينا أن المجتمعات العربية، ومنها المجتمع الفلسطيني، هي مجتمعات أبوية محافظة، يأتي الرجل فيها في المقام الأول، وتأتي المرأة في المقام الثاني. لكن من باب مراعاة الحقيقة واحترامها، على أن أسرع إلى القبول إنه مع بدأ الدعوة إلى النهضة العربية منذ أواسط القرن الماضي، واكب الحركة النهضوية وكان جزءا منها تطور بطيء نجح في تحسين مكانة المرأة، وفي توسيع دورها في الحياة الاجتماعية والمهنية. وتأسيسا على هذا الواقع يتبين أن قراره حاسم، ولاسيما فيما يتعلق بتقسيم العمل بين الرجال والنساء، وهو ما يعنينا في هذه الدراسة، فالأعمال مقسمة بين الجنسين حسبما يناسب طبيعة كل منهما، ولكن من منظور الرجل. وإذا حاولنا أن نبين انعكاسات تطبيق هذا المبدأ على مقام و ما يقوم به الفلسطينيون، رجالا ونساء، من أعمال، فإنا واجدون صورة أساسية تتكون من ثلاث شرائح من الأنشطة هي:

أولا: شريحة ضيقة من الأنشطة التي يشترك الجنسان في ممارستها، وتتمثل فيما يتعاون الجنسان في إنجازه كالعناية بالأطفال، وجني بعض المحاصيل، وشراء المواد الغذائية، وممارسة الألعاب والأنشطة الترفيهية، وما شابه ذلك.

ثانيا: شريحة كبرى خاصة بالرجال، وتتمثل في أن الرجل لأنه الأقوى جسمانيا، ينفرد بالأعمال الثقيلة التي تتطلب القوة كالفلاحة والحدادة والنجارة والبناء، ونقل الأشياء الثقيلة.

ثالثا: شريحة كبرى خاصة بالنساء وتتمثل في إنفراد المرأة بالأعمال الخفيفة كأعمال المطبخ، وغسل الملابس وكيها، وتنظيف المنزل.

وإذا سحبنا هذه الصورة العاملة من الفولكلور الفلسطيني، فإننا سنجد قسمة الأنشطة الفولكلورية بين الجنسين تماثل إلى حد كبير قسمة العمل المذكورة، فالجنسان يشتركان في شريحة ضيقة تتمثل في الغناء وسرد الحكايات وعروض المهرجانات الشعبية في الجانب النظري من الفولكلور، كما يشتركان في اختيار لوازم البيت وترتيبه وصيانته في الجانب المادي للفولكلور. من ناحية ثانية ينفرد الرجال في المجال المادي، بالقيام بالأعمال الثقيلة كصنع أو جلب واستخدام الأدوات اللازمة للمهن التي يمارسونها: كالبناء، والحرث، وجني معظم المحاصيل، بينما تنفرد النساء بالقيام بالأعمال الخفيفة كإعداد الأطعمة، وصنع أدوات القش، والتطريز، والنسيج وأشغال الإبرة . أما في المجال النظري من الفولكلور كحقل دراسي، فإن الرجال يكادون ينفردون بالقيام بالدراسات والبحوث، ففي فترة الانتداب البريطاني على فلسطين نجد طليعة الفولكلوريين الفلسطينيين كلها من الرجال:د. توفيق كنعان، الياس حداد، اسطفان اسطفان، عمر الصالح البرغوثي. وفي فترة ما بعد الانتداب البريطاني نجد أن القائمين على الدراسات الفولكلورية والذين زادت أعدادهم بشكل ملحوظ،هم الرجال: د. عبد اللطيف البرغوثي، د. عيسى المصو، د. شريف كنعانة، د. هاني العمد، د. نمر سرحان، الأستاذ سليم المبيض والأستاذ عبد العزيز أبو هدبا، الأستاذ علي الخليلي، الأستاذ عمر حمدان، الأستاذ نبيل علقم وغيرهم، والاستثناء الوحيد فيما أعلمن، هو الدراسة التي قامت بها السيدة يسرى جوهرية عرنيطة في المهجر، والدراسة التي قامت بها السيدة نائلة لبس(من عرب 1948)، والسيدة جورجيت خميس سلوم والسيدة وداد قعوار ورفيقاتها، والسيدة صباح السيد عزازي.

1-2 نشأة المؤسسات الثقافية في فلسطين:

في دراسة قيمة للمؤسسات الثقافية في فلسطين، ضمن الموسوعة الفلسطينية(القسم الثاني، المجلد الثالث،ص 175 وما بعدها)، عرض الدكتور محمود زايد الاتحادات، والجمعيات، والروابط،والمطابع، والأندية، ومؤسسات البحوث الفلسطينية ومراكزها، وقسم فترات ظهورها ونموها إلى المراحل الثلاث التالية:

أـ مرحلة ما قبل الانتداب البريطاني 1875-1918،

ب- مرحلة الانتداب البريطاني 1918-1948.

ج- مرحلة ما بعد نكبة عام 1948.

ولاحظ هذا الباحث أن المؤسسات الثقافية الوطنية في فلسطين في المرحلة الأولى كانت تقتصر على الجمعيات، وان تلك الجمعيات كانت آنذاك بعيدة عن السياسة، وأن أعدادها ظلت قليلة فيما قبل إعلان الدستور العثماني لعام 1908، ولكنها راحت تتكاثر بعد إعلانه، حتى بلغ عددها قبيل مرحلة الانتداب البريطاني ما لا يقل عن خمس عشرة جمعية وطنية، أكثرها جمعيات خيرية: كجمعية السيدات الأرثوذكسية التي أسست في يافا عام 1910، أو أدبية كجمعية الآداب الزاهرة التي أسسها في القدس عام 1898 داود الصيداوي. وكانت غالبيتها جمعيات مسيحية كجمعية الشابات المسيحيات التي أسست في القدس في مطلع هذا القرن، نظرا إلى أن المسيحيين الفلسطينيين كانوا أسبق إلى التحصيل العلمي، بفضل التسهيلات التي كانت تقدمها لهم الكنائس، والأديرة، والمؤسسات التابعة لها. (الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثالث،ص182).

وفي مرحلة الانتداب البريطاني، وبسبب تحسين النظام التعليمي وتوسيعه نسبيا، وبسبب ظهور الأحزاب السياسية المنتظمة في أوائل الثلاثينات من تلك المرحلة، ازداد عدد الجمعيات، والنوادي، والروابط،والإتحادات بشكل لافت للنظر، وشهدت الأربعينيات إنشاء جمعيات التضامن النسائي في القدس، ويافا، والطور، واللد، وحيفا، وعكا وكان من الجمعيات البارزة التي ظهرت في هذه المرحلة ما يلي:

1- جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في مدينة نابلس عام 1921.

2- جمعية القدس ترايزا، تأسست في القدس عام 1922.

3- جمعية تهذيب الفتاة الإسلامية، تأسست في حيفا أعوام العشرينيات.

4- جمعية تهذيب الفتاة الأرثوذكسية، تأسست في حيفا أعوام العشرينيات.

5- جمعية حاملات الصليب أمس، تأسست في القدس عام 1926.

6- جمعية حاملات الصليب اليوم تأسست في القدس عام 1926.

7- جمعية رعاية الطفولة والأمومة، تأسست في نابلس عام 1928.

8- جمعية السيدات العربيات، تأسست في القدس عام 1929.

9- جمعية السيدات الوطنية، تأسست في يافا عام 1929.

10- جمعية إتحاد العاصمة النسائي، تأسست في القدس عام 1929.

11- جمعية نهضة السيدات العربيات، تأسست في عكا عام 1930.

12- جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في حيفا في الثلاثينيات.

13- جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في طولكرم في الثلاثينيات.

14- جمعية السيدات العربيات، تأسست في عكا وانحلت عام 1936.

15- جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في رام الله عام 1939.

16- جمعية نجدة الفتاة، تأسست في يافا عام 1940.

17- جمعية التضامن الاجتماعي، تأسست في القدس في أوائل الأربعينيات.

18- جمعية التضامن الاجتماعي، تأسست في المجدل في أوائل الأربعينيات.

19- جمعية التضامن الاجتماعي تأسست في يافا في أوائل الأربعينيات.

20- جمعية الرابطة النسائية العربية ، تأسست في يافا في أوائل الأربعينيات.

21- جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في غزة في أوائل الأربعينيات.

22- جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في بيت لحم عام 1947.

23- جمعية الفتاة تأسست في رام الله في الأربعينيات.

24- جمعية رابطة وحدة جمعيات السيدات العربيات، تأسست في القدس عام 1944.

25- جمعية رعاية الطفل، تأسست في رام الله عام 1944.

26- جمعية سيدات بيت جالا،تأسست في بيت جالا عام 1944.

27- جمعية السيدات لرعاية الطفل، تأسست في بيت جالا عام 1944.

28- جمعية التضامن الاجتماعي للسيدات، تأسست في الطور عام 1944.

29- جمعية التضامن الاجتماعي النسائي، تأسست في اللد عام 1945.

30- جمعية التضامن الاجتماعي، تأسست في عكا عام 1947.

(لمزيد من التفاصيل انظر إلى الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثالث،ص 223-248 لتجد قوائم بأسماء الجمعيات الفلسطينية المختلفة في العالم وعددها في تلك القوائم 275 جمعية).

ويلاحظ في ما يتعلق بعمل تلك الجمعيات أن تأثير الأحزاب السياسية عليها جعل أكثرها تركز جهودها على النشاطات الثقافية والرياضية، وعلى أعمال إغاثة الأسر المحتاجة، ودعم النضال الفلسطيني، وبخاصة خلال الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) وفي أعقابها (المرجع السابق،ص183).

وتبدأ المرحلة الثانية بنكبة عام 1948 التي مزقت الشعب الفلسطيني فصار معظمه يعيش في الشتات، بينما ظل جزء منه يعيش في إسرائيل، وجزء ثان في قطاع غزة الذي اتبع إداريا لجمهورية مصر العربية، وجزء ثالث في الضفة الغربية التي ضمت إلى شرق الأردن. وقد أدت هذه الحالة إلى بما انطوت عليه من التوزيع الديمقراطي للشعب الفلسطيني، إلى تغيير التوزيع الجغرافي للجمعيات والإتحادات وغيرها من المؤسسات الثقافية، فلم يعد ظهورها ظاهرة مدنية، بل انتشرت في القرى، وفي مخيمات اللاجئين، وفي التجمعات الفلسطينية أينما وجدت. ففي الشتات ظهرت مؤسسات فلسطينية ثقافية واجتماعية كالإتحادات الطلابية والنسائية وغيرها، ويلاحظ ذلك بين الفلسطينيين في الأمريكيتين وفي أوروبا، فقد كثرت الجمعيات، والنوادي الفلسطينية في دول أمريكا اللاتينية وبخاصة في البرازيل، والأرجنتين، وبيرو، وبوليفيا، وبدرجة أقل في أمريكا الشمالية ولاسيما الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك كان الحال بالنسبة للفلسطينيين في الوطن العربي، فقد انتقلت أو نشأت جمعيات و مؤسسات كثيرة في مدن الوطن العربي، ولاسيما عواصمه بعامة، والقريبة منها من فلسطين بخاصة كعمان، والقاهرة، ودمشق، وبيروت. ويذكر في هذا الصدد أن إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 كان نقطة تحول في تاريخ المؤسسات ولاسيما ما كان منها خارج فلسطين، ذلك أن المنظمة اعتبرت تلك المؤسسات ركائز لها. وكان من أبرز تلك المؤسسات: إتحاد الطلبة، الإتحاد العام للمرأة، إتحاد الكتاب، إتحاد الصحفيين، إتحاد الفنانين، وغيرها من الإتحادات والجمعيات والمراكز(المرجع السابق، ص184-186).

أما على الأرض الفلسطينية، وبعد انتهاء عقد الذهول الذي تلا نكبة عام 1948، فقد بدأت تتشكل اتحادات، وجمعيات، ونوادي، ومراكز بحوث بين العرب في إسرائيل، والعرب في الضفة الغربية، والعرب في قطاع غزة، في إطار ما تسمح به القوانين المعمول بها في المناطق المذكورة: ففي إسرائيل في إطار القوانين الإسرائيلية، وفي قطاع غزة في إطار القوانين المصرية وما وضعته إسرائيل من قوانين بعد الاستيلاء على القطاع عام 1967، وفي الضفة الغربية في إطار القوانين الأردنية وما وضعته إسرائيل من قوانين بعد الاستيلاء على الضفة عام 1967.

وعلى الرغم من هذا الشتات الديموغرافي والجغرافي، فإن المؤسسات الثقافية والاجتماعية، على اختلاف أشكالها ومواقعها، مارست جميعها نشاطا سياسيا على نحو أو آخر، لأن الشعب كان، ولا يزال، يخوض كفاحا مريرا في سبيل وجوده وتحرره. وقد أسهمت الجمعيات بشكل ملحوظ في تعزيز الوعي الوطني، ورفع الروح المعنوية، ومقاومة سياسة الانتداب، والاحتلال، والهيمنة، وجمع الأموال لمساعدة المحتاجين والمنكوبين، وتشجيع المصنوعات الوطنية، ومحاربة بيع الأراضي لليهود، والدفاع عن المعتقلين والمساجين السياسيين والأسرى. وبالإضافة إلى ذلك كله، فإن المؤسسات حققت إنجازا عظيما في مجال مكافحة الأمية بفتح صفوف الدراسة الليلية، ونشر التعليم والثقافة بتأسيس المكتباتـ، ورياض الأطفال، والمدارس .

1-3 تنظيم الجمعيات وتطورها:

يلاحظ في ضوء ما تقدم أن الجمعيات والمؤسسات الثقافية بعامة، والنسائية بخاصة، ازداد عددها، وتنوعت أنشطتها، منذ بدء الانتداب البريطاني على فلسطين. لذلك كان لا بد من العمل على التنسيق فيما بينها خدمة للمصلحة الوطنية العامة من ناحية، ولمصالح تلك الجمعيات نفسها من ناحية ثانية. ومن هنا بدأت الدعوة الشعبية في هذا الاتجاه تؤتى ثمارها، فقد عقد إتحاد العاصمة النسائي، الذي تأسس في القدس عام 1929 بعد ثورة البراق، مؤتمره النسائي الأول في القدس يوم 26-11-1929 بمشاركة حوالي ثلاثمائة امرأة من المدن الفلسطينية المختلفة. وكان هدف هذا المؤتمر تنظيم الحركة النسائية في فلسطين؛ للعمل على إنقاذ الوطن ومساعدة العائلات المحتاجة والمنكوبة، وانبثق عنه ثلاث لجان هي: لجنة رعاية أبناء الشهداء، لجنة جمع التبرعات، (المرجع السابق ص19، وميسون الوحيدي، ص5) ولجنة الخياطة والتطريز. وكتاب إتحاد الجمعيات الخيرية في القدس لعام 1986،ص67).

وقد ترأست هذا الإتحاد منذ تأسيسه حتى عام 1966 الآنسة زليخة الشهابي، وتورد أسمي طوبي في كتابها(عبير ومجد)(بيروت، مطبعة قلفاط،1966، ص149-1952) قائمة بنشاطات هذا الإتحاد نلخصها في العناوين التالية:

تأسيس ناد رياضي، تشكيل لجنة إسعاف ميداني، افتتاح مستوصف لمعالجة المعوزين وتشكيل لجنة طبية خاصة به، تعليم أيتام على نفقة الإتحاد، تأسيس فرع لرعاية الطفولة، إقامة مسابقات جمال للأطفال، افتتاح فرع لتعليم صناعة الأزهار، تنفيذ برامج محاضرات علمية ووطنية وموسيقية، وعقد مؤتمرات كالمؤتمر الكبير الذي عقد في 1671946 وحضرته وفود من البلاد العربية، إرسال برقيات احتجاج في المناسبات كمناسبة وعد بلفور.

وفي الفترة الأردنية، وبموافقة قسم الجمعيات الخيرية في وزارة الشؤون الاجتماعية الأردنية، أقيمت ثلاثة إتحادات انتظمت في سائر الجمعيات الخيرية في الضفة الغربية عام 1958 هي:

1- اتحاد الجمعيات الخيرية في محافظة القدس التي كانت تشمل ألوية القدس وبيت لحم وأريحا ورام الله، ويشمل إحدى وتسعين جمعية موزعة كمايلي: 44 في منطقة القدس، 24 في رام الله ولوائها، 23 في منطقة بيت لحم وأريحا. وكانت هيئته الإدارية مشكلة من 13 عضوا.

2- إتحاد الجمعيات الخيرية في محافظة نابلس التي كانت تشمل ألوية نابلس وجنين وطولكرم، ويضم 45 جمعية وهيئته الإدارية مكونة من 12 عضوا.

3- إتحاد الجمعيات الخيرية في محافظة الخليل وألويتها ويضم 28 جمعية. وهيئته الإدارية مكونة من 7 أعضاء .

وفي مجال الخدمات التي قدمتها وتقدمها هذه الإتحادات النسائية تلاحظ النشاطات التالية:

1- النشاط الثقافي: مكافحة الأمية، إقامة رياض الأطفال، عقد ندوات، إقامة مخيمات صيفية.

2- النشاط النقابي: تشجيع الانتساب، تبني قضايا نسوية، تأمين فرص عمل.

3- النشاط الاجتماعي: النضال في سبيل حل مشاكل المرأة، إعانة الأسر الفقيرة، رعاية الطفولة، إقامة الاحتفالات، رعاية المسنين والعجزة.

4- النشاط الإنتاجي: رفع مستوى المرأة بالتأهيل، إقامة مشاريع إنتاجية مثل الخياطة، التطريز، تصنيع الأغذية............الخ

5- النشاط الصحي: الإرشاد والتثقيف، دورات إسعاف، تقديم المساعدات في مجال التأمين الصحي.

6- النشاط التراثي والفني: إحياء التراث الشعبي، بجمعه ودراسته ونشره، إقامة الفرق الفنية والمهرجانات الشعبية.

7- نشاط الأمومة والطفولة: إنشاء دور حضانة، ورياض أطفال، ومراكز رعاية الأمومة والطفولة.

8- نشاط التأهيل المهني: إقامة مراكز تدريب وتنظيم دورات لتعليم الفتيات والأمهات مهناً مختلفة وتوفير فرص عمل وتشجيع إقامة المشاريع الإنتاجية.

وبعد مضي أقل من عقد على قيام هذه الإتحادات الثلاثة عام 1958، كان لا بد من السير خطوة أخرى إلى الأمام لتحقيق مزيد من التنظيم والتطوير.

وهنا يبرز دور اتحاد العاصمة النسائي في القدس الذي سبقت الإشارة إليه، فقد دعت رئيسته زليخة الإتحادات النسائية الفلسطينية الأخرى إلى مؤتمر تحضيري عقد في القدس في 1831965 وتقرر فيه التحضير لعقد مؤتمر تأسيسي يهدف إلى توحيد التنظيمات النسائية الفلسطينية في إتحاد واحد.

http://www.najah.edu/index.php?news_id=5449&page=3171&l=ar

الفلكلور


الفلكلور

ما هو ؟

د. شريف كناعنة

يستعمل مصطلح " فولكلور " للدلالة على شيئين مختلفين أولهما " حقل " آو " علم " من العلوم الإنسانية يختص بدراسة جانب معين من ثقافة المجتمع الإنساني والثاني هو تلك " المادة " أو ذلك الجزء من الثقافة الذي يختص علم الفلكلور في دراسته. وهمنا الرئيسي في هذه المقالة هو تعريف " مادة الفلكلور " كي يمكن التعرف عليها وتمييزها عن باقي أجزاء الثقافة.

ويجدر بنا قبل كل شيء أن نعرّف " الثقافة " بوضوح اذ ان هناك لبسا كبيرا في استعمالها، فهناك الاستعمال الدارج لهذا الاصطلاح والذي يشير الى العلوم والفنون والاداب الراقية لدى الشعوب والامم المتحضرة. وبهذا المعنى نقول : شخص مثقف وشخص جاهل. وهذا الاستعمال يختلف عن الاستعمال الفني المختص لهذا الاصطلاح في العلوم الانسانية والاجتماعية وخصوصا في حقل " الانثروبولوجيا الاجتماعية " او " الثقافية "،حيث تدل كلمة " ثقافة " على مجموع طرق توافق بين الانسان المتعلمة او المنقولة اجتماعيا، اي ان " ثقافة " جماعة من المجموعات تضم جميع طرق واساليب حياة تلك الجماعة ما عدا ذلك الجزء الغريزي المنقول بالوراثة الجينية البيولوجية. وبهذا المعنى الاخير نستعمل كلمة " ثقافة " في هذه المقالة.

مادة الفلكلور قديمة قدم باقي ثقافة الانسان اي منذ اصبح لدى الانسان مقدرتان، المقدرة على " التعلم " اي الاستفادة من التجربة والمقدرة على " الترميز " اي استعمال شيء او رمز ليدل على شيء آخر او يقوم مقامه. ويمكن ان نبسط الامر فنقول منذ ظهور اللغة التي مكنت الانسان من تجميع المعلومات وحفظها ونقلها من جيل الى جيل دون اللجوء الى تدوينها في الجينات. وهذا يعود الى زمن يمكننا تقديره بما يتراوح بين خمسة الى ثلاثة ملايين سنة.

وقد بدا الاهتمام بالمادة التي نسميها الان " الفلكلور " وتدوينها في مرحلة متقدمة بعد اكتشاف الانسان للكتابة، فالاثار المكتوبة المكتشفة من مصر وما بين النهرين تحوي الكثير من القصص الخرافية والمعتقدات الدينية وغير ذلك. وكتب الرحالة والمؤرخين اليونان وبعدهم العرب تحتوي الكثير من القصص والمعتقدات والعادات والتقاليد واساليب الحياة لدى الامم والشعوب المختلفة. كذلك فان كتب ومذكرات الرحالة والمغامرين والمكتشفين والمبشرين والتجار الاروبيين في بداية العصور الحديثة تحتوي مجموعات كبيرة من فولكلور الأمم غير الأوروبية. في جميع هذه الحالات دونت مادة الفلكلور بين ما دون ولم تعامل كمادة مستقلة لها المواصفات او الاهمية ما يميزها عن غيرها.

لقد استعمل اصطلاح " فولكلور " والمكون من مقطعين الاول : " فولك " بمعنى عامة السعب و" لور " بمعنى معرفة او حكمة، لاول مرة سنة 1846 عندما اقترح الانكليزي وليامز ثومز استعمال هذا الاصطلاح كاسم للحقل الذي يدّّرس " العادات، التقاليد، الممارسات، الخرافات، الملاحم، الامثال، الخ للازمنة القديمة. الا ان حقل الفولكلور اي الاهتمام بمادة الفولكلور كجزء مميز عن باقي اجزاء الثقافة كان قد بدا بالظهور في الاوساط العلمية الاروبية منذ ما يقارب نصف قرن قبل هذا التاريخ وتبلورت معالمة بشكل واضح اثناء نصف القرن الذي تلاه حيث ظهرت جمعيات الفولكلور والدوريات المختصة في الكثير من البلدان الاروبية ثم في امريكا.

وقد ارتبط ظهور الاهتمام بالفولكلور بحكرتين فكريتين سادتا في اوروبا في القرن التاسع عشر وهما : الرومانسية والقومية. ويمكننا أن نلخص العلاقة بين الحركات الثلاث : الفلكلور،الرومانسية والقومية مع الكثير من التبسيط كما يلي : ان الحركات التحررية عادت الى الماضي والى الانسان العادي البسيط للتعرف على جذورها واصولها من اجل تحديد هويتها القومية وزيادة وعيها القومي وذلك كجزء من الايدلوجية القومية الرامية الى التحرر القومي.

وكان المهتمون بالفولكلور في اوروبا في القرن التاسع عشر هم قادة الفكر والمتعلمين وافراد الطبقة العليا من المجتمع. وكان فهمهم لمادة الفولكلور واضحا ومحددا ومثقفا عليه بينهم. فقد كان افراد هذه الطبقة يعتقدون انهم اذا ارادوا ان يعرفوا الجذور الثقافية التي انحدروا منها فما عليهم الا ان يجمعوا العادات والتقاليد والاساطير والمعتقدات التي ما زالت منتشرة بين الفلاحين القرويين والطبقات الدنيا في المدن في البلاد الاوروبية نفسها اذ كان من المفروض ان هذه الطبقات ما زالت تعيش وتفكر كما عاش وفكر اجداد الطبقة العليا المتحضرة قبل مئات السنين. وتتمثل صورة الفولكلور كما كانت في القرن التاسع عشر بوضوح في كتابات احد اهم علماء الفولكلور في ذلك العصر اذ يقول :

" هنالك علم، علم الاركيولوجيا، يجمع ويقارن المخلفات المادية للشعوب القديمة مثل الفؤوس ورؤوس الحراب ( الحجرية ). هناك علم آخر، علم الفولكلور، يجمع ويقارن مخلفات تشبه هذه المخلفات ولكنها مخلفات غير مادية للشعوب القديمة، مثل بقايا الخرافات والقصص، وبشكل عام الافكار التي ما زالت تعيش في عصرنا ولكنها لا تمت اليه بصلة. والفولكلور، بمعناه الدقيق، لا يهتم الا بالخرافات والعادات والمعتقدات لدى عامة الشعب، تلك الطبقات التي لم يطرا عليها الاالقليل جدا من التغيير نتيجة التعليم والتي لم تسهم الا بقدر ضئيل في مسيرة التقدم ".

إن المهتمين بالفولكلور في القرن التاسع عشر قصروا هذا الحقل بشكل عام على دراسة الجزء المتلف من ثقافة الطبقات الجاهلة من المجتمعات المتحضرة في البلدان الاوروبية واستثنوا بذلك ثقافة الطبقات العليا من المجتمعات الاوروبية وثقافات الشعوب غير الاوروبية التي نظروا اليها كشعوب متوحشة. ولكن الظروف قد تغيرت منذ الوقت الذي نشا فيه حقل الفولكلور وقيل فيها هذا التعريف الضيق لمادته. فقد انتهت الحركة الرومانسية ونجحت شعوب شمال غرب اوروبا في بناء دول قومية مستقلة. واستقر حقل الفولكلور في جامعت اوروبا وامريكا واصبح حقلا تقليديا مثله مثل باقي حقول العلوم الاجتماعية والانسانية، يصارع من اجل بقائه واستمراريته ومن اجل احتلال حيز اوسع في العالم الاكاديمي. وانتهى الاتفاق بين العاملين في هذا الحقل على التعريف الضيق الذي كان مقبولا في القرن التاسع عشر اذ اخذ علماء الفولكلور يدرسون ثقافة الطبقات العليا والمتحضرة في الريف وفي المدن ويدرسون منها ما هو قديم وما هو حديث كما امتدت دراساتهم الى ثقافات الشعوب الاخرى في جميع نواحي العالم على اختلاف مستوياتها الحضارية. كذلك انتقل علم الفولكلور والاهتمام بمادة الفولكلور من معاقله الاصلية في اوروبا وامريكا الى معظم بلدان العالم فاقيمت الجمعيات والمعاهد الفولكلورية لجمع المادة والاهتمام بها واقيمت الفروع في الجامعات لتدريس الحقل وتدريب العاملين فيه كما انشئت الدوريات المختصة لتشجيع الدراسات ونشرها وتعميم الاهتمام والوعي بقيمة هذا الحقل. وقد جاء بدء الاهتمام بحقل الفولكلور لدى الامم المختلفة ومن ضمنها الوطن العربي تحت ظروف مشابهة لتلك التي افرزت حقل الفولكلور في اوروبا ومن اجل خدمة اهداف مشابهة لتلك التي خدمها حين نشوئه في اوروبا، فقد واكب الاهتمام بالفولكلور حركات اليقظة والتحرر وبناء الهوية والكيان القومي.

لقد انتشر الاهتمام بالفولكلور بين افراد ومؤسسات المجتمع الفلسطيني بعد الحرب العالمية الاولى ودخل مرحلة الاهتمام الجدي بعد الحرب العالمية الثانية وبشكل خاص خلال العقدين الاخيرين حيث اقيمت المهرجانات والاحتفالات الفولكلورية وانشئت المعاهد والمراكز لجمع المواد الفولكلورية وتبوبيها ودراستها، كما انشئت فرق الرقص والغناء الشعبي وادخلت مادة الفولكلور ضمن مناهج التدريس في بعض الجامعات الفلسطينية، وقد نتج عن حداثة ظهور هذا الحقل وسرعة انتشار الاهتمام بالفولكلور وقلة المختصي بين المهتمين والعاملين في الحقل وندرة المراجع، خصوصا العربية منها، محليا، نتج عن ذلك كله خلط وبلبلة في فهم طبيعة الحقل وتحديد افاقة مما يتطلب وضع تعريف واضح ودقيق يمكن الانسان العادي المهتم بهذا الحقل من تمييز المادة الفولكلورية بشيء من الثقة عن غيرها من المواد. فهل مثل ها التعريف ؟؟ متوفر الجواب على هذا السؤال سلبي، اذ ان مثل هذا التعريف غير متوفر ولا اعتقد انه من الممكن توفيره في المرحلة الحالية من حياة وتطور هذا الحقل. فالبلبلة والخلط حول تعريف وتجديد الفولكلور ليست موجودة في اذهان عامة الناس وغير المختصين في بلادنا فقط بل ايضا في اذهان علماء الفولكلور انفسهم في مكان نشوء هذا الحقل في اوروبا وامريكا. فهذا الن دنديز، استاذ علم الانسان وعلم الفولكلور في جامعة بيركلي في كاليفورنيا، واشهر علماء الفولكلور المعاصرين اطلاقا يصف الوضع فيقول : " ليس فقط ان علماء الفولكلور في نفس البلد يحملون وجهات نظر مختلفة جدا حول طبيعة الفولكلور. وهذا الفرنسي يتكلم عن واحد وعشرين تعريفا للفولكلور والتي تظهر في احد المعاجم المختصة بهذا الحقل فيصفها بانها " دليل على الفوضى السائدة في اذهان العاملين في الفولكلور حول حقلهم الذي يدّعون بانه علم ". وهذه بعض نماذج من تعريفات الفولكلور لفولكلوريين معاصرين ندرجها كي يستطيع القاريء مقارنتها ورؤية الفروق بينها بنفسه :

¨ الاستاذ نبيل علقم : " الفولكلور هو مجموعة من المعارف والخبرات والفنون، عبّر الانسان بواستطها عن احاسيسه ورغباته وتجربته، وجعلها هاديا له في تنظيم اموره الحياتية والاجتماعية، ويحافظ المجتمع على نقلها من جيل الى الجيل الذي يليه ".

¨ الدكتور عبد اللطيف البرغوتي، يعرّف الاغنية الشعبية بطريقة تنطبق على مادة الفولكلور كلها او على الفنون القولية منها على الاقل " تلك الاغنية النابعة من الشعب وتصور حياته ويتفاعل معها بصورة عفوية، وليس لها مؤلف معروف في معظم الحالات، ومنظومة باللهجة العربية الدارجة، وترى مشافهة ".

¨ الدكتور محمد الجوهري : " ان علم الفولكلور انما هو علم ثقافي، يختص بقطاع معين من الثقافة ( هو الثقافة التقليدية او الشعبية )". " ان اسم " فولكلور يطلق على التراث الروحي للشعب ( خاصة التراث الشفاهي ).

¨ جوزيف ريسان Joseph Rysan : " يمكن تعريف الفولكلور بانه التجسيم الجماعي للعواطف الاساسية مثل الرهبة، الخوف، البغض، الاحترام Reverence والرغبة من قبل جزء من المجموعة الاجتماعية ".

¨ دان بن اموس Dan Ben-Amos : " الفولكلور، في اطارة الثقافي لايتكون من مجموعة اشياء وانما هو عملية – وبالذات عملية اتصال "، " باختصار، الفولكلور هو الاتصال باسلوب فني ضمن المجموعات الصغيرة ".

¨ الن دنديز : اصطلاح " فولك " يمكن ان يشير الى اي جماعة من الناس، مهما كان نوعها، يجمع بين اعضائها على الاقل عامل واحد. وليس من المهم ما هو هذا العامل المشترك – فقد يكون مهنة مشتركة او لغة او دين – ولكن المهم ان يكون لتلك المجموعة، مهما كان الهدف من وجودها، تقاليد تستطيع ان تدعوها تقاليد ".

¨ وليام باسكوم William R. Bascom : " الفولكلور بالنسبة لعالم الانثروبولوجيا هو جزء من الثقافة وليس الثقافة جميعها. ويضم الخرافات والاساطير والقصص والامثال والحزازير ونصوص الملاحم والاغاني وصيغا اخرى اقل اهمية، ولكنة لا يضم الفن الشعبي او الرقص الشعبي او الموسيقى الشعبية او اللباس الشعبي او الطب الشعبي او العادات الشعبية او المعتقدات الشعبية ".

هذه عينة من التعريفات التي وضعها عدد من المختصين في حقل الفولكلور لتوضح طبيعة وحدود حقلهم. وبامكان المهتم ان يجمع المئات من مثل هذه التعريفات دون جهد يذكر، ولكن هذه العينة كافية لاظهار الفروق بين علماء الفولكلور في فهمهم لحقلهم. ولا ولا اريد هنا ان اقرر ا من هذه التعريفات اصح او افضل، ولا ان اؤيد احدها واضحد غيره فلن يكون في ذلك فائدة كبيرة. ولكني اؤيد للعودة إلى هدفنا الأساسي وهو التعرف على معيار او معايير تمكننا من تمييز الفولكلور عن غيره. هناك اتفاق بين العاملين في الحقل بان الفولكلورجزء من الثقافة، ولكن اي جزء منها؟ وكيف نميز هذا الجزء عن الاجزاء الاخرى من الثقافة؟ ساستعرض فيما يلي عددا من المعايير التي استعملت لهذا الغرض من قبل دارسين مختلفين في الحقل، وبدرجات مختلفة في النجاح، وابين من خلال ذلك مدى الخلاف والاتفاق بالنسبة لكل منها ثم ارسم صورة مركبة من عدد من هذه المعايير قد تضعنا في وضع افضل قليلا مما كنا عليه في بداية هذه المقالة.

لقد أتضح مما ذكرناه ومن التعاريف السابقة انه ليس هناك معيار او صفة واحدة تميز مادة الفولكلور عن غيرها من المواد الثقافية بل اننا بحاجة الى عدد من المعايير قد تؤدي، مجتمعة، بالغرض. ولكن القضية معقدة اكثر من ذلك اذ انه ليس هناك اتفاق على عدد هذه المواصفات ولا على اي المواصفات تدخل في تعدادها. وحتى لو اتفق على صفة او معيار معين لاحدى الصفات المطلوبة فليس هناك اتفاق على ان قيم هذه الصفة هي تلك التي يتصف بها الفولكلور.

وهذه أهم المعايير والمواصفات التي يدور الحوار حولها في عالم الفولكلور في هذه الايام :-

1. طبيعة مادة الفولكلور :

هناك خلاف حول طبيعة المادة التي " يصنع " منها الفولكلور، فهل هي معرفة او فكر وفن او عاطفة او سلوك او عملية اتصال او اجسام مادية ملموسة؟ ويتوجة التيار في حقل الفولكلور الان نحو الاتفاق على ان مادة الفولكلور تجمع بين المعرفة وطريقة التفكير والاسلوب الفني والتعبير عن العواطف مصوغة جميعها بشكل سلوك، ولا تضارب بين هذه جميعها. اما قضية اعتبار الفولكلور كوسيلة اتصال بين افراد جماعة صغيرة فهذا طرح حديث نسبيا ولم يلق اهتماما كبيرا حتى الان. ولكنني اعتقد ان قضية الاتصال خارجة عن طبيعة مادة الفولكلور وموجودة في اذهان او نوايا مستعملي مادة الفولكلور الذين يرغبون في ايصال افكار او معان الى بعضهم البعض ويمكن في هذه الحالة استعمال مواد غيرفولكلورية ولا تتضارب حتميا بين ذلك وبين القيم الخمس السابقة لهذا المعيار. اما السؤال حول كون الاجسام المادية الملموسة كالادوات او الملابس او الدمى فولكلورا فما زال يدور حوله الكثير من الخلاف، ولكن الاكثرية من علماء فولكلور يميلون الى الاجابة على هذا السؤال بالنفي. واميل انا شخصيا الى التمييز بين الاداة كجسم مادي ملموس وبين المعرفة والافكار والعواطف والسلوك التي تدخل في صنع وتزيين واستعمال تلك الاداه. فاما القسم الاخير فيدخل ضمن مادة الفولكلور واما الاول فلا.

2. الإطار الجماعي للفولكلور :

ذكرنا سابقا ان اصطلاح " فولك " اي " الشعب " كان في بداية نشوء هذا الحقل يطلق على الطبقات الدنيا من المجتمعات الاوروبية فقط، والقروية منها بشكل خاص، وكان اصطلاح فولكلور يطلق بذلك على جزء معين من ثقافة هذه الطبقات فقط. وقد دارت عبر تاريخ هذا الحقل جدالات وحوارات طويلة حول وجود الفولكلور او عدمه في المدن او بين الطبقات الارستقراطية او بين الشعوب البدائية او المختلفة. ومع ان التعريف القديم ما زال يحظى بتاييد الكثيرين من علماء الفولكلور خصوصا الاوروبيين منهم، الا ان الاكثرية خصوصا في امريكا يميلون الان الى قبول تعريف دنديز الذي ذكرناه سابقا والذي يقول بان كل فئة او جماعة انسانية يجمع بين اعضائها عامل واحد على الاقل، مهما كان ذلك العامل ومهما كان نوع تلك الفئو او عدد افرادها او السبب في تكوينها، لها فولكلورها. وإذا وصل الاتفاق على هذه الفكرة، في مرحلة ما، درجة الاجماع فان " الاطار الاجتماعي " كاحد المعايير المميزة للفولكلور سينتهي.

3. اتساع الانتشار :

هناك اتفاق على ان فولكلور جماعة من الجماعات هو ملك المجموعة ككل وليس ملك فرد واحد او افراد معينين من الجماعة.ولكن ما معنى " ملك الجماعة "؟ فهل من المفروض ان يعرف كل فرد مادة ما حتى تدخل في عداد فولكلور تلك الجماعة، أم إن المقصود إن فولكلور الجماعة هو مجموع ما يعرفه جميع افراد الجماعة من فولكلور. واذا لم يكن من الضروري ان يعرف الجميع نفس المادة فكم فردا او ما هي النسبة الضرورية بين افراد المجتمع حتى تعتبر تلك المادة فولكلورا؟. طبعا ليس هناك اجوبة مقنعة لهذه الاسئلة. ولكن هناك نوع من الاتفاق الضمني بين علماء الفولكلور بهذا الخصوص واعتقد ان الصورة التالية قد تنقل روح هذا الاتفاق الضمني : لو جعلنا دائرة امها (أ) تمثل فولكلورا من جماعة من الجماعات وجعلنا كلا من الدوائر ب، ج، د،... الخ تمثل الفولكلور الذي يعرفه فرد من افراد الجماعة، فالمفروض ان تكون كل مادة من مواد فولكلور تلك الجماعة ، اي كل مادة موجودة ضمن الدائرة (أ) موجودة ايضا ضمن الاكثرية من الدوائر ب، ج، د،... الخ، وبذلك فان الدوائر ب، ج، د،... الخ لا تتطابق كليا ولكنها تتداخل او تتراكب الى حد كبير، وتكون (أ) هي الدائرة التي تضم جميع مناطق التراكب هذه، اي تضم جميع المواد المشتركة بين عدد كبير من افراد الجماعة وما يقع خارج مناطق تراكب هذه الدوائر، اي خارج (أ) فهو اجتهاد فردي او شذوذ او بدعة وليس جزءا من الفولكلور.

4.كيفية الانتقال

تنقل مواد الفولكلور من جيل الى جيل ومن جماعة الى جماعة ومن فرد الى فرد. وهناك اتفاق بين العاملين في الحقل بان الفولكلور كجزء من الثقافة ينتقل اجتماعيا، اي عن طريق التعلم وليس عن طريق الجينات. ولكن طرق التعلم او الانتقال الاجتماعي كثيرة، فهل هناك طريقة انتقال خاصة يجب ان تنتقل مادة الفولكلور بواستطها حتى تصبح تسمى فولكلورا؟ ترد الاكثرية الساحقة من العاملين في حقل الفولكلور على هذا السؤال بالايجاب، فهم يرون ان من الشروط التي يجب ان تتوفر في مادة حتى تدخل في عداد الفولكلور ان تنتقل " مشافهة ". وهناك طبعا الاقلية، ولكنها اقلية مؤثرة وفعالة، ممن يرفضون هذا الشرط.

فالقضية هنا ليست قضية صح وخطا وانما هي اقرب الى تحيز يكاد يكون اعتباطيا الى احد رايين في محتويات الفولكلور. فما هما هذان الرأيان، ومن هم اصحاب كل منهما؟ الاجابة على هذا السؤال تحتاج الى بعض الاطالة.

يقسم علماء الفولكلور من حيث تدريبهم الاكاديمي الى ثلاثة اقسام : قسم يكون قد تدرب في حقل الانثروبولوجيا الثقافية واختص ضمنها بجزء من الثقافة هو الفولكلور. وقسم اخر يكون قد تلقى تدريبه في العلوم اللغوية او في الادب بشكل خاص ثم اختص بدراسة جزء خاص من الادب الشعبي او الفولكلور حسب تعريفهم. والقسم الثالث يكون قد تدرب منذ البداية في قسم مستقل للفولكلور ونال درجاته الجامعية في " علم الفولكلور ". افراد القسمين الاول والثاني يميلون بشكل عام ويتطلبون شرط الانتقال الشفهي في جميع مواده. اما افراد القسم الثالث فانهم يميلون الى توسيع رقعة الفولكلور بحيث يحتوي اجزاء اخرى مثل الفنون اليدوية، الفنون التعبيرية، المعتقدات الشعبية. هذه الاجزاء من الفولكلور تعتمد في انتقالها بشكل كبير على المشاركة والملاحظة والتقليد ولذلك فان افراد هذه الجماعة لا يشترطون الانتقال مشافهة في تعريفهم للفولكلور.

4.وسط التعبير في الفولكلور :

هذا البعد يشبه البعد السابق اي كيفية الانتقال ولكنه يختلف عنه نظريا على الاقل. فالوسط المستعمل للتعبير عن العواطف او الافكار عن طريق الرقص هو "حركات جسمانية " ولكن يمكننا ان نعلم شخصا ما نوعا من الرقص مشافهة. والوسط للتعبير في الاغنية الشعبية هو الكلام الملفوظ ولكن يمكن ان ننقلها كتابة، وهكذا.

هناك عدد كبير من علماء الفولكلور يطلقون على مجموع المواد التي يهتم بها هذا الحقل " الفنون القولية " ويرفضون اعتبار اي مادة يكون وسط التعبير فيها غير القول الملفوظ كجزء من الفولكلور. ولكن جماعة لا باس بها تقبل اوساطا اخرى كحركات الجسم في الرقص، والخشب في الدمى التقليدية والقماش في الملابس الشعبية وغير ما ذكر في البند السابق بخصوص كيفية الانتقال.

5 .عمر الفولكلور :

من أهم المواصفات التي تشترطها الاكثرية الساحقة من العلماء في مادة الفولكلور هي صفة القدم. ولكن احدا لن يستطيع ان يحدد العمر الذي يجب ان يتوفر في مادة ما حتى تصبح فولكلورا. كذلك فانه من المتفق عليه ان بعض المواد مثل بعض الاغاني الشعبية قد تصبح فولكلورا خلال سنوات قليلة اذا لاقت قبولا وانتشار كبيرين، وتفاعل معها افراد المجتمع ووجدوا فيها اداة مناسبة للتعبير عن ما يجيش في نفوسهم. لذلك يمكننا ان نقول ان ليس هناك حد زمني مطلق للفولكلور، ولكن قدم مادة ما يزيد عن امكانية تصنيفها كمادة فولكلورية.

6. تقليدية الفولكلور :

هذا البعد يرتبط بشكل كبير بالبند السابق ولكنه نظريا مستقل عنه، يشترط اكثرية علماء الفولكلور ان تكون مادة الفولكلور تقليدية في المجتمع الموجود فيه اي ان تكون موروثة عبر الاجيال. وينطبق هنا ما قلناه من حيث امكانية دخول مادة غير تقليدية ضمن الفولكلور احيانا، وعدم وجود حد مطلق لعدد الاجيال، وازدياد امكانية تصنيف مادة ما ضمن الفولكلور بازدياد عمق الاجيال التي توارثتها.

7. المؤسس أو المؤلف :

هذا البعد أيضا مرتبط بالبندين السابقين، القدم والتقليدية هناك اتفاق عام بان مادة الفولكلور ليس لها مؤلف او مؤسس معروف ترتبط المادة باسمه ويكون له فيها حقوق المؤلف او المبتكر بل هي ملك للجماعة ورثوها من الاجيال السابقة دون معرفة مصدرها الاصلي. وهذا يعني ان الفولكلور هو تعبير عن الضمير الجماعي والشخصية الجماعية لذلك المجتمع، ينمو ويتطور ويتغير ويموت حسب التغيرات والتبدلات التي تطرا على هذا الضمير الجماعي والشخصية الجماعية وليس استجابة لرغبات او قرارات الافراد.

هذه ثمانية من اهم المعايير او المواصفات المستعملة في تعريف مادة الفولكلور وتمييزها عن غيرها من اجزاء الثقافة. نتسال الان بعد ان درسنا هذه المواصفات، هل اصبحنا في وضع افضل للحكم على مادة الفولكلور؟ اجيب على هذا السؤال بطريقة غير مباشرة. لو اخذنا المواصفات الثمانية المذكورة سالفا ورتبنا القيم المختلفة لهذه المواصفات في اعمدة كما هو موضح على الصفحة التالية :

الرقم

الصفة

قيم نوع ( 1 )

قيم نوع ( 2 )

1

طبيعة مادة الفولكلور

معرفة، فكر، فن، سلوك.

وسيلة اتصال اشياء مادية.

2

الاطار الاجتماعي

طبقات دنيا، عامة الشعب، فلاحون.

طبقات ارستقراطية، سكان المدن، شعوب متوحشة.

3

مدى الانتشار

مالوفة لاكثرية ابناء الجماعة.

مالوفة لعدد قليل.

4

كيفية الانتقال

تنتقل شفهيا.

تنتقل بوسيلةاخرى.

5

وسط التعبير

فن قولي

وسط غير قولي.

6

مدى القدم

قديمة.

حديثة.

7

التقليدية

متوارثة عن اجيال سابقة.

ادخلت حديثا.

8

المؤلف

غير معروف.

معروف.

ثم أخذنا المادة التي يدور حولها التساؤلوفحصنا القيم الموجودة فيها لكل من الصفات الثمانية فاننا نستطيع ان نقول وبقسط كبير من الثقة، ما يلي : كلما ازداد عدد القيم من النوع الاول المتوفرة في تلك المادة كلما ازدادت امكانية تصنيفها من قبل عدد اكبر من علماء الفولكلور ضمن مادة الحقل واذا اجتمعت فيها القيم الثمانية الموجودة في العمود الاول قاربت الامكانية درجة اليقين، والعكس صحيح بالنسبة للقيم الموجودة في العمود الثاني.

هذه طبعا طريقة نظرية معقدة للتعرف على مواد الفولكلور وقد يستطيع المختص او شبه المختص اتباعها ولكن الشخص العادي سيجد صعوبة كبيرة في استعمالها. فهل هناك ما يسهل الامر على المبتدئ؟ اسهل طريقة للمبتدئ هي ان يعتمد على تعريف الفولكلور موضوع من قبل احد العلماء المختصين الثقات والمعتبرين من " اباء " الحقل ويتكون هذا التعريف من تعداد للمواد التي يعتبرها هذا العالم جزءا من الفولكلور. ومن الطبيعي ان القوائم بمواد الفولكلور التي يقدمها العلماء المختلفون تختلف باختلاف ارائهم النظرية وليشس هناك قائمة يتفق عليها الجميع. وانقل فيما يلي تعريفا من هذا النوع لاحد اعلام الحقل وهو " الن دنديز "، وقد اخترت هذا التعريف لشموليته واتساع افقه، ويمكن للمبتدئ المستانس بهذا التعريف ان يكون على يقين بان كل مادة واردة في هذا التعريف مقبولة، على الاقل، عند عدد لا باس به من علماء الفولكلور. وادرج فيما يلي هذا التعريف بشيء من التصرف : " يضم الولكلور الخرافات، الاساطير، القصص الشعبية، النكات، الامثال، الحزازير، الترانيم، التعاويذ، التبريكات، اللعنات، والمسبات، الاقسام والايمان، الاساءات اللفظية، الاجابات التقليدية المقنعة، المقاهرة والمعايرة، الانخاب، وجمل التحية والوداع. ويشمل ايضا الملابس الشعبية، الرقص الشعبي، الفن الشعبي، المعتقدات الشعبية، الاغاني الشعبية، المصطلحات العامية، التشبيهات، الكنايات، الالقاب، اسماء الأماكن والمواقع، الشعر الشعبي وهو يتراوح من الملاحم الشعبية الى ما يكتب على القبور، الكتابة على جدران المحلات العامة، الاغاني التي ترافق العاب الاطفال، الاغاني التي يغنيها الكبار عند تلعيب الاطفال، واغاني الحضانة. وتحتوي اقئمة مواد الفولكلور ايضا الالعاب، الايماءات، الرموز، الدعاء، النكات العملية، التفسير الشعبي لنشوء بعض المصطلحات، طرق الطبخ، انماط الطتريز انماط البيوت والاسوار وبيوت الحيوانات، مناداة الباعة، وحتى الطرق التقليدية لاستدعاء او طرد الحيوانات وما يقال عند صدور اصوات مثل القحة او العطش. هنالك أيضا الاحتفالات الشعبية التقليدية والعادات والممارسات والتقاليد الشعبية المتبعة في الاعياد والمناسبات. هذه القائمة تعطي عينة فقط ولا تشمل جميع انواع الفولكلور. واخيرا كي اوفي هذا الموضوع حقه سأحاول، في ضوء ما تقدم، ان اجيب على عدد من الاسئلة اسمعها تتكرر كثيرا على السنة المبتدئين والمهتمين غير المختصين في مجتمعنا، هذه الاسئلة هي : -

vهل هناك فولكلور فلسطيني ام يجب ان نقول فولكلور عربي؟

لقد ظهرت الاجابة على مثل هذا السؤال في تعريف اعطيناه في بداية هذه المقالة لمصطلح " قولك "، فبينا ان الفولكلور لا ينحصر فيجماعة او طبقة اجتماعية او طبقة اجتماعية واحدة أو مجتمع واحد وانما لكل جماعة يجمع بين افرادها عامل واحد على الاقل، مهما صغرت تلك الجماعة او كبرت ومهما كان السبب في تكوينها، فولكلورها الخاص بها. بناء على ذلك نقول انه اذا كان هناك عامل واحد على الاقل يجمع بين الناس الذين يسعون " فلسطينيين " ويميزهم عن غيرهم وكان لهم تراث او تقاليد يعتقدون انها ملكهم الجماعي، فان هناك فولكلور فلسطينيا. لا شك ان الكثير مما يطلق عليه اسم فولكلور فلسطيني هو في الحقيقة فولكلور عربي لانه اوسع انتشارا في المجتمع الفلسطيني، ولكن لا شك ايضا ان الكثير من الفولكلور الذي تبلور منذ الحرب العالمية الاولى بين الفلسطينيين وانفردوا بها عن غيرهم من ابناء الوطن العربي.

vهل " الزجل " او الحدادي التي يغنيها الشاعر الشعبي في الاعراس مثلا، مخن الفولكلور؟

واميز هنا بين الصيغة والمحتويات، فالصيغة في الزجل والاغاني الشعبية جميعها تكاد تكون دائما تقليدية وراثية فولكلورية। اما المحتويات او مضمون البيت الواحد من الزجل او الاغنية او القصيدة الشعبية فانها اذا كانت تقليدية ومتوارثة أو لها تحوير او اعادة تركيب وتجمع لعناصر تقليدية فهي في الفولكلور. اما اذا كان بيت الزجلمن تاليف الشاعر فعلا، اي انه مخترع مبتدع يعبر عن ضمير ذلك الشاعر ومشاعره وشخصيته فهو ليس من الفولكلور حتى لو صيغ في قالب فولكلوري وبلهجة شعبية. والفت النظر هنا الى نقطة هامة وهي ضرورة التمييز بين الشعبي والتراثي فليس كل ما هو شعبي يعد من التراث وليس كل ما في التراث شعبي. فالمعلقات مثلا جزء من التراث ولكنها ليست شعبية ولذلك ليست جزءا من الفولكلور، وبيت الزجل المبتكر " المؤلف " ليس تراثا ولو صيغ بلهجة شعبية وقيل في مناسبة شعبية الا اذا شاع بين اكثرية الجماعة وتقبله لانة جاء معبرا عن وجدانها الجماعي.


http://www.najah.edu/index.php?news_id=5471&page=3171&l=ar